محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
429
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
الوجه الثاني : أنَّ الجماهير من العلماء قد أجازوا الرواية بالمعنى ، فمن الجائز أن يعتقدَ هذا الراوي في الحديث النَّبويِّ معنىً ، فيعبرَ عنه قاطعاً على أنَّ المعنى واحد ، وليس كذلك مثل ما جاز عليه ذلك في قوله : هذا منسوخ ، أن يعتقد تعارُضَ النصوصِ فيقضي بنسخ المتقدِّم قاطعاً على تعارضها . ومِنْ ها هنا رجَّحُوا روايةَ من لا يستجيزُ الرِّواية بالمعنى على رواية مَن يروي بالمعنى ، فلو كان الراوي بالمعنى لا يغْلَطُ قطعاً ، لم تكن رواية من يُوجِبُ نقلَ اللفظ النبويِّ أرجحَ منه . فإن قلتَ : إنَّه يجوز أنَّ القائل بأنَّ هذا منسوخ قال ذلك اجتهاداً ، واحتمالُ الاجتهاد يقدَح بخلاف احتمال الوهم . قلتُ : هذا خلافُ الظاهر ، لأنَّ الاجتهادُ الصادِرَ عن القياس ، والأمارات الضعيفة ، ليس مِن طُرُقِ النسخ ، فحملُ الراوي عليه بمنزلةِ حمل الراوي للحديث المرفوع على أنَّه بَنَى الروايةَ للحديث على اجتهاده في أنَّ ذلك هو معنى الحديث النبويِّ ، فكما أن ذلك مردودٌ غيرُ مسموع مِن قائله لِبعده ، فكذلك هذا . فإذا عرفت هذا ، فكيف ينبغي مِن السَّيِّد إطلاقُ القولِ بضعف هذه المسألة المحتملة مِن غير استدلال ، ولا توقُّفٍ ، ولا نَظَرٍ ، ولا تأمُّل . ولو ذهب ذاهب إلى هذا المذهب ، لم يكن خارقاً لإجماع الأُمة ، ولا مستحقاً للنَّكِير عند الأئمة . ثم نقول للسَّيِّد - أيَّده الله - : ما زال أهلُ العلم يتعرَّضُونَ لمعرفة المنسوخ ، ويذكرون المجمعَ عليه من ذلك ، والمختلفَ فيه ، وقد صنَّف غيرُ واحد في معرفة المنسوخ من الأئمة وغيرهم ، وحَصَرُوا ما صَحَّ نَسْخُه ، وبيَّنوا الدَّلِيلَ على صحة النسخ ، والدليلَ على بُطلانِ النسخ في بعض ما